الشهيد محمد خريس
فارس القسام و جنديّ الدعوة وماكنة العمل الجماهيري
خانيونس – تقرير خاص :
بينما كانت الدبابات الصهيونية تتربّص بالمجاهدين و الجرّافات تنشر الخراب و الدمار هناك على أطراف حيّ الأمل حيث الاجتياح الصهيوني الذي أطلقوه عليه "حديد بنفسجيّ" ، كان مجاهدٌ يربض في موقعه الذي اختاره لنفسه كيْ يتصدّى للقتلة الذين أرادوا غزو مدينة خانيونس ، فاختاره الله كي يكون شهيداً .
كانت عيناه مفتوحتين ترصد حركة الجرّافة الصهيونية رغم أنّه لم يذقْ طعم النوم منذ الساعات الأولى للاجتياح , جهّز أسلاك العبوة و انتظر بفارغ الصبر تقدّمها , و عندما تأخّرت قرّر مع إخوانه المجاهدين أن يهاجموها بسلاح الياسين .
إنّه الشهيد القائد الميدانيّ محمد محمود خريس (22 عاماً) ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام و ابن خانيونس , و أصله من قرية القسطينة في فلسطين المحتلة عام 48 .
محمد كان على موعد مع الشهادة التي طالما تمنّاها فجر يوم الجمعة 31/12 /2004 .. و لم يكن في هذا الموعد وحده ، فقد انضمّ إليه أخوه القائد الميداني خالد خميس أبو عودة "أبو أحمد" (40 عاماً) الذي التحق به فجراً , هناك على تخوم مستوطنة "جني طال" ليشتركا سويّاً في ضرب الدبابة و الجرافة في نفس الوقت و من موقعين مختلفين و قد نسّقا عمليّة الهجوم لتتمّ في نفس اللحظة .
و في تلك اللحظة أيضاً امتزجت دماء الشهيدين و اختلطت أشلاؤهما بعدما حانت ساعة الرحيل بصاروخ طائرة استطلاع .
رحل محمد مع أخيه خالد و قد كان لديهما في تلك الليلة إصراراً عجيباً على ضرب آليات العدو التي تزرع الموت في كلّ مكان و رغم صعوبة الظروف الميدانية في حيّ الأمل و عدم وجود سواتر كافية تحميهما .
عسكريّ نشيط :
يقول أحد المجاهدين الذي كان قريباً من المنطقة : "لقد انتظر محمد الصهاينة منذ فترة طويلة و كان يتوقّع هذا الاجتياح و انتظر أن يهاجمهم في الميدان بعدما أثخن فيهم و هو يهاجمهم بقذائف الهاون و صواريخ القسّام و البتّار" .
و يضيف المجاهد : "غضب محمد غضباً شديداً عندما تهيّأ في لحظات الاجتياح الأولى لتفجير لغمٍ كان قد زرعه ليستقبل به أول دبابة تصل للمنطقة إلا أنّه اكتشف أنّ سلك التفجير قد انقطع جرّاء مرور الدبابة من فوقه قبل أن تصل لمكان اللغم" .
و رغم أنّ عمر محمد العسكريّ لم يزدْ على العام منذ التحاقه بكتائب القسّام إلا أنه كان من النشاط و تحمّل المسؤوليات ما جعله يقبل أيّ مهمةٍ جهادية دون تردّد , فكان يقوم بالاستطلاع , و زرع العبوات الناسفة , و تجميع أجزاء قذائف الهاون , و نقل السلاح و تخزينه ، ثم انتقل ليصبح أبرز المجاهدين الذين لديهم دراية في إطلاق قذائف الهاون و القسام , و لكم أقضّ مضاجع المستوطنين بهذه القذائف ليل نهار ... و أصبح قائداً ميدانياً في منطقته .
رجل دعوة :
حياة محمد القصيرة كانت عامرة بالخير فلا تختلف طفولته عن شبابه ، فقد عرفوه في حارته و حركته و مسجده - مسجد حمزة - بهدوئه الشديد و طاعته الدائمة و طيبة قلبه التي جعلت كلّ من عرفه يحبّه .
لم يقتصر نشاط محمد على العمل العسكريّ ، فقد كُلِّف من الحركة بمسؤوليّة جهاز العمل الجماهيري في حيّ الأمل , و بعض مساجد المخيّم حتى وصل ليله بنهاره ما بين العمل الجماهيري و الرباط في سبيل الله و المسجد و الدعوة , كان كثيراً ما يردّد "أشتاق للنوم و لكني لا أستطيع حتى أؤدّي الأمانات التي كُلّفت بها" ..
إخلاصٌ متفانٍ:
لقد بكته أمّه و بكته البواكي لما تركه من فراغٍ في حياتهم .. و تقول أمّه و الدموع في عيونها : "كلّما طلبت منه أن يحرص على نفسه كان يردّ عليّ و هو يضحك (إنها الجنان يا أمّي ... الجنان)" .. و تضيف : "لا زلت أتذكّره و كأنّي أراه أمامي يدخل المنزل في منتصف الليل أو وقت الفجر و سلاحه على كتفه حتى يلقي بجسده على فرشته دون حتى أن يتمكّن من تغيير ملابسه و ما أن يغفو قليلاً حتى يخرج من جديدٍ يحمل صور الشهداء و اللافتات ليكمل عمله" .
و خلال تشييعه و تأبينه في المقبرة قام جاره عدنان العصار ليعدّد مناقبه و يقول : "لقد رأيناك يا محمد ليلة الاجتياح و لأوّل مرة بكامل عتادك العسكري و على كتفك الـ (آر بي جي) .. كنت كالفارس منطلقاً بسرعةٍ إلى الميدان تنتقل من شارعٍ لشارع تتهيّأ لملاقاة الأعداء و كأنّك كنت تنتظر هذه اللحظة" .
و يتحدّث عنه أحد إخوانه في العمل الجماهيري و يقول : "كان مخلِصاً في عملِه لدرجة أنّنا كنّا نطلب منه مساعدتنا إلى جانب تكاليفه في منطقته .
لقد كان يسخّر كلّ إمكانيّاته على بساطتها في خدمة إخوانه و خدمة أعراس الشهداء التي كان يقوم عليها ، و كان حريصاً على أن يساهم مما يملك حتى من مالٍ على قلّته في أعراس الشهادة" .
و تقول خالته أم محمود : "لقد كنت أكثر من رأيته في آخر يومين ، فقد كان يشرف على برزة شهيد في منطقتنا و لأنّ منزله محاصر كان يأتي ليرتاح قليلاً لديّ ... كان حديثه مرِحاً أكثر من المعتاد و إذا توقّفنا عن الحديث لدقائق كان يغفو و هو جالس من شدّة التعب و الإرهاق ، و ما هي إلا برهة حتى يقفز من مكانه ليغادر .. و كلما كنت أحاول أن أُثنيه ليكمل راحته و نومه كان يقول بصوت مرتفع و هو خارج (إنها الجنان يا خالتي ... الجنان)" ..
فقده الجميع ..
محمد حوّل غرفته إلى مخزنٍ لأغراض العمل الجماهيري و مأوى لإخوانه المجاهدين .. و تقول والدته : "آه يا محمد .. لكم كنت تحبّ أن تتناول طعامك مع إخوانك و لكم كنت تحرص أن تشاركهم كلّ ما تملك و تحب ... آه يا محمد كنت تصل القريب و البعيد" ..
رحل محمد و أشبال الحارة و المسجد يبكون عزيزاً فقدوه , فقد كان معهم في تحفيظ القرآن و كان مسؤولاً عن فريق كرة القدم و كان أخاً و صديقاً للجميع ..
و تلك العجوز جارته (أم حسين) أيضاً بكته أكثر مما بكت أبناءها الذين فقدتهم و لا زالت تتساءل : "من بعدك يا محمد سوف يتفقّدني ... آه يا محمد كم انفطر قلبي على فراقك" .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق