الخميس، 12 أغسطس 2010

ابعثوها إلى وزير الصحة! في الساعة الثامنة و57 دقيقة من مساء أمس الأول (الثلثاء)، وأثناء

ابعثوها إلى وزير الصحة!

في الساعة الثامنة و57 دقيقة من مساء أمس الأول (الثلثاء)، وأثناء محاضرةٍ دينيةٍ، تلقيت رسالةً هاتفيةً تقول: «الحالة رقم 23، محمود داوود، جنوسان، يفارق الحياة قبل ساعة في مجمع السلمانية».
بعد 12 ساعة فحسب، وفي الساعة التاسعة و22 دقيقة من صباح أمس (الأربعاء)، وفي طريقي للمقبرة لمواراة أحد الأقارب الثرى، وصلتني رسالة هاتفية أخرى تقول: «في ذمة الله جاسم علي عبدالحسين، المعامير، الحالة رقم 24».
القرّاء اليوم باتوا يعرفون ماذا تعني هذه الأرقام، التي عزّزت ما كنا نقوله مراراً، من ارتفاع معدل ضحايا السكلر إلى ثلاثة بعد أن كانت مستقرةً لسنوات على ضحيتين في الشهر. ويحزنني أن أقول إن العدد مرشحٌ للارتفاع أكثر، مع كل هذه اللاأبالية والاستهتار الذي تبديه الوزارة وطاقمها الإداري العتيد، بأرواح الشباب من مرضى السكلر.
الأسبوع الماضي، وفي يوم الثلثاء تحديداً، سقط أربعة ضحايا (شابان وشابتان بين العشرينات والثلاثينات)، أما الثلثاء الماضي فقد سقط شابان آخران (في الخامسة والعشرين). والمفترض أن يدق ذلك ناقوس الخطر فتعلن وزارة الصحة حالة استنفار قصوى لمعرفة هذا الذي يحدث لأول مرةٍ في تاريخ المرض، وفي تاريخ وزارة الصحة منذ تأسيسها قبل خمسة عقود.
قبل ثلاثة أعوام نشب حريقٌ في أحد مستشفيات دولة الكويت الشقيقة، فاستقالت وزيرة الصحة آنذاك معصومة المبارك؛ لأنها مسئولة أدبياً أمام الناس. أما لدينا فإننا نحلم بيومٍ يخرج فيه وزيرٌ واحدٌ فقط في أي وزارة متعثرة، ليعلن استقالته ويعتذر للناس عن تقصيره. بل سيجد له مجموعةً من «الورّاقين الجدد» الذين يدافعون عنهم، ويزيّنون سياساتهم، ويبرّرون أخطاءهم، ويشتمون من ينتقدهم، تزلفاً وتملقاً واستنفاعاً.
إن من سخرية الإدارة أن يخرج مدير المستشفيات لينتقد مجموعةً من مرضى السكلر الذين تجمّعوا أمام بوابة طوارئ السلمانية لإشعال الشموع، تعبيراً عن حزنهم على رحيل زملائهم في الجناح، ويعتبر عملهم غير قانوني. ومع كل هذه الوفيات، يخرج أمس الوكيل ببيانٍ إنشائي طويل، ليقنع العالم بأن الوزارة «تولي اهتماماً خاصّاً لمرضى السكلر الذين يحظون باهتمام بالغ من جميع العاملين الصحيين... وتحرص على التصدي لمشاكلهم الصحية وتطوير طرق وأساليب العلاج وبما يستجد علميّاً»!
الوكيل كرّر ما قاله الوزير قبل شهرين من أن الوزارة «ماضية بإنشاء مركز للأمراض الوراثية سيُخصّص لاستقبال المرضى المصابين بالسكلر وأمراض الدم الوراثية الأخرى»، وهو وعدٌ لن يتحقق قبل عامين في أقرب تقدير، هذا إذا لم يتأخر أربعة أو خمسة أعوام، حسب خبرتنا كمواطنين بهذه الوزارة الباردة.
الوكيل يتحدّث عن «اهتمام خاص» في قسم الطوارئ بمرضى السكلر، بينما هم يشكون من نقص الأسرة، وسوء معاملة بعض الأطباء الذين يعتبرونهم جماعةً من المدمنين، وهو أمرٌ يستحق التحقيق والمحاسبة لمن يثبت خطؤه. وإذا علمنا أن مرضى السكلر يشغلون خمسة أسرة من إجمالي 11 سريراً بوحدة العناية القصوى، وأكثر من 80 سريراً في مختلف أجنحة المجمع، سنكتشف حجم المعاناة الحقيقية التي يعيشونها، وخصوصاً بعد زيادة عدد الوفيات في صفوفهم بصورةٍ غير مسبوقة، ولا يمكن إنكارها أو التهرب من مسئوليتها.
الصحة تنتظر قراراً سياسياً يصحّح أوضاعها الإدارية التي تعاني من الاختلال. وهو اختلالٌ أول من يدفع ضريبته مرضى السكلر العالقون بين الموت والحياة.


قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2897 - الخميس 12 أغسطس 2010م الموافق 02 رمضان 1431هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق