حديث التجربة الفلسطينية الأولى و«ضياع الفرص»؟
شفيق نور الدين
صحيفة الشرق القطرية 19/3/2006
ثمة نقد وجه إلى قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية من 1918 - 1947 بأنها كانت قيادة متشددة، ولم تكن مرنة، أو مستعدة للمساومة العقلانية، وبأنها أضاعت فرصا كثيرة كان يمكن من خلالها تجنب ما حصل من نكبة وهجرة وحروب. وزعم بأنها كانت قيادة «لا» لكل الحلول والمشاريع المقترحة.
أما الحقيقة فكانت على عكس ذلك تماماً، ولنقل حتى قرار التقسيم 1947، الذي يحتاج إلى وقفة منفصلة، كانت القيادة الفلسطينية طوال الفترة المذكورة شديدة الاستعداد للمساومة، وبالفعل دخلت في مساومات كثيرة جداً. فعلى سبيل المثال غلب على موقفها من الانتداب البريطاني مطالبتها بإعطاء فلسطين استقلالاً مقيداً بمعاهدة من نمط المعاهدة البريطانية - العراقية، أو من نمط استقلال إمارة شرق الأردن 1924. فهي لم تكن من هذه الزاوية الأساسية من أصحاب شعار «لا مفاوضة قبل الجلاء» أو تحقيق «الاستقلال الناجز». بل كانت في منتهى المرونة مع بريطانيا. ولم تفقد الأمل في إمكان إحداث تغيير في سياساتها من خلال الحوار والمساومة، والمثابرة على محاولة التفاهم وإظهار حسن النية في كل مناسبة تقريباً. وتشهد على كل ذلك مذكرة الوفد الفلسطيني برئاسة موسى كاظم الحسيني ونقاشاته في لندن 1921. والأبلغ جاء في المذكرة التي علقت على مذكرة ميلز في أواسط يوليو 1926 فلم يطالب باستقلال، أو إيقاف الهجرة مباشرة، وسلم بتعهدات بريطانيا الدولية بما يتضمن تجنب المطالبة برفض وعد بلفور، مع الأمل في أن تراعي بريطانيا أهالي فلسطين على اختلاف طوائفهم وتمكنهم من وضع دستورهم بواسطة ممثلين عنهم. وقد وصف محمد عزة دروزة، وكان من بين الوفد المفاوض، موقف الزعماء بأنهم «لم يتهاودوا بل سلموا» وقال «إن الروحية كانت الرغبة في الحصول على شيء ما». أما في التعليق على مسودة المشروع الذي تقدم به سانت جون فيلبي 1929، وكان الحاج أمين الحسيني مشاركاً، فقد تضمن قيام جمهورية دستورية ديمقراطية في فلسطين، وأن تكون الهجرة حرة للعرب واليهود ضمن طاقة البلاد الاقتصادية، والموافقة على بقاء المندوب السامي مسؤولاً مع صلاحيات حق الفيتو بشأن أي قانون يصدر عن المجلس التنفيذي يراه متعارضاً مع «الالتزامات الدولية الموكولة للحكومة البريطانية». وتكررت المعادلة نفسها مع لجنة شو البرلمانية 1930.. ولكن الحكومة البريطانية ردت على كل ذلك بالرفض بعد المراوغة. وعندما صدر الكتاب الأبيض في أكتوبر 1930 استقال وايزمن من الوكالة اليهودية بالرغم من الإجحاف الذي تضمنه ذلك الكتاب بحقوق الفلسطينيين، وتحركت التظاهرات في دول أوروبا وأمريكا فأصدرت وزارة المستعمرات البريطانية تفسيراً له حوَّله إلى «كتاب أسود» بعد إزالة بقعة صغيرة كانت شبه بيضاء فيه. أما حين تدخل نوري السعيد للتوسط طالباً وقف الإضراب والاضطرابات مقابل توسط العراق مع بريطانيا لإنجاز مطالب عرب فلسطين المشروعة، وقبلت اللجنة العربية العليا بذلك، فالذي تراجع كان وزير المستعمرات البريطاني وأعلن أن حكومته لم تفوض نوري السعيد بالوساطة (أغسطس 1936). ثم جاءت اللجنة الملكية البريطانية لتقصي الحقائق، ووافقت اللجنة العربية العليا على مقابلتها، ووجهت بياناً لوقف الإضراب والثورة 6/12/1936.
لخص الحاج أمين الحسيني الموقف أمام اللجنة الملكية «بإقامة حكومة مستقلة وطنية ذات حكم دستوري تتمثل فيها جميع العناصر الوطنية، ويضمن للجميع فيها العدل والتقدم والرخاء». أي «الدولة الديمقراطية لكل مواطنيها». أما تقرير اللجنة الملكية فجاء مرفوضاً من العرب واليهود: «تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق عربية ويهودية وبريطانية» حتى إن حزب الدفاع الأكثر مرونة سارع إلى رفضه. وأخيراً وليس آخراً كانت موافقة اللجنة العربية العليا على الكتاب الأبيض لعام 1939. ولكن بريطانيا في 29/1/1946 أعلنت أن باب الهجرة سيظل مفتوحاً وأن لجنة أمريكية - بريطانية ستأتي إلى فلسطين وكان القصد إلغاء «الكتاب الأبيض» المذكور. وقد اعتبر القادة العرب في إنشاص 1946 البيان البريطاني «نقضاً صريحاً للكتاب الأبيض الذي ارتبط به الشرف البريطاني».
بكلمة إن آخر ما يمكن أن تتهم به القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة أنها لم تكن مرنة أو مساومة أو متعاونة. والبعض يسجل عليها، وربما فقط، عدم قبولها بالمجلس التشريعي. وكان سيتألف من عشرة موظفين بريطانيين وثمانية مسلمين، واثنين مسيحيين، واثنين يهود. أي بأغلبية بريطانية يهودية، ومع ذلك كانت صلاحياته استشارية ولا يحق له التصويت على الهجرة والميزانية والضرائب وقانون الأراضي. وكان للمندوب السامي البريطاني حق تعطيله وحله وإصدار القوانين دون الرجوع إليه. وبهذا تتحول القيادة الفلسطينية شاهد زور يمضي وعد بلفور من تحتها إلى مبتغاه.
على الرغم من أن أهداف المشروع الصهيوني كانت معلنة ومطبقة عملياً، وبالرغم من استمرار التسلح وتهريب السلام وتحصين المستعمرات والتدريب وصولاً إلى امتلاك القدرة العسكرية لحسم الصراع، وعلى الرغم من أن القيادة الفلسطينية كانت مدركة لكل ذلك إلا أن باب المساومة بقي مفتوحاً أو مشقوقاً. وكان الشعار الدائم للعمل هو إقامة دولة ديمقراطية يتمثل فيها الجميع وفقاً لنسبهم العددية، وتوافر الأمن والرفاه والعدالة للجميع. ولكن الرفض القاطع لهذا الحل كان يأتي من قيادات الحركة الصهيونية داخل فلسطين وخارجها. فالهدف كان هو تحقيق ما حدث ويحدث فعلاً. وهو إقامة دولة يهودية صهيونية، واقتلاع شعب فلسطين والاستيلاء على أرضه وبيوته وثرواته ووطنه. وما كان من شيء ليغير في ذلك ما دام ميزان القوى يسمح به. ومن ثم يخطئ من يقرأ تاريخ القضية الفلسطينية بعيداً عن إدراك هذه الحقيقة. فالتشدد والرفض، وإغلاق الأبواب في وجه مختلف الحلول التي اقترحت بين 1918 - 1947 كان يأتي من جانب قيادة المشروع الصهيوني سواء أكان مباشرة، أم كان من خلال وزارة المستعمرات البريطانية، وبالمناسبة حتى قرار التقسيم عام 1947 لم تعترف به القيادة الصهيونية، لا سابقاً ولا حالياً، بالرغم من استنادها إلى فقرة من فقراته فقط في إعلان دولتها.
أما الموقف العربي الرسمي خلال تلك الفترة فكان قد دخل في مساومات بعيدة المدى مع بريطانيا وفرنسا وكانت المرونة الزائدة، والمساومة الفائضة على الحد، والارتباط بالغرب ديونه. وباب المساومة حتى على وعد بلفور، مع محاولة تلطيفه، لم يغلق، وكان الميل الدائم في حينه هو الضغط على الفلسطينيين كلما انتفضوا، بعد أن يفيض الكيل، إلى العودة إلى الهدوء والتفاوض مع بريطانيا. فكيف يصار اليوم إلى نكران ذلك بل عدم التعلم من عبره التي تقول إنها سياسات غير مجدية خصوصاً، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فالاستراتيجيات المقابلة هنا، لاسيما استراتيجية بريطانيا والاستراتيجية الصهيونية لا تقبلان غير تحقيق الهدف. أما المرونة والعقلانية وتقديم التنازلات والمساومات ففي وجهها الجدار حتى تقبل بتحقيق الهدف كاملاً. وإذا قبلت فسيزاد عليه أكثر فأكثر (تجربة مفاوضات التسوية الأخيرة).
تمثل التجربة الفلسطينية خلال المرحلة 1918 - 1947 نموذجاً صارخاً لحالة شعب صغير استفرد به من قبل أكبر دولة عظمى في حينه، وضعته تحت الاحتلال، وفصلته عن أشقائه العرب والمسلمين بعد أن جزأت بلدانهم وأحكمت السيطرة عليها. ثم راحت تفرض المشروع الصهيوني المؤيد من الغرب عموماً. فمهما فعل أقاوم حتى الموت، أم هادن حتى الاستسلام، أم راح بين هذا وذاك. فالاستراتيجية البريطانية - الصهيونية ماضية في سبيلها ما لم يهتز من تحتها ميزان القوى.
ولهذا لم يترك الشعب الفلسطيني استراتيجية إلا اتبعها في تلك المرحلة ابتداء من استراتيجية حزب الدفاع الوطني (راغب النشاشيبي) والماضية إلى التفاهم مع بريطانيا إلى أبعد الحدود والاستعداد للتساهل مع الهجرة اليهودية ضمن المعقول الذي لا يصل إلى حد الاستيلاء على فلسطين واقتلاع أهلها. ولكنه كثيراً ما وجد نفسه مع الشعب في المواجهة فقد كان بيته مستهدفاً للاستيلاء عليه مثل كل بيت فلسطيني. وجرب الشعب الفلسطيني استراتيجية عز الدين القسام باللجوء إلى الثورة المسلحة من خلال قيادة مجاهدة وشعبية وحاسمة في موقفها ثم اتبعها بتجربة الإضراب والثورة والمقاطعة تحت قيادة تتراوح استراتيجيتها بين التفاوض السياسي والمساومة والممانعة، وعرف استراتيجيات سياسية وطنية مرنة (الحزب العربي بقيادة الحاج أمين الحسيني - وجمال الحسيني) أو وطنية أكثر تشدداً (حزب الاستقلال أو حزب «الكتلة الوطنية»، وعرف استراتيجية جمعية العمال (سامي طه)، وعصبة التحرر الوطني (الحزب الشيوعي) ومؤتمر العمال (فؤاد نصار). فقد حاولت كل الأطياف الفلسطينية الممكنة في حينه أن تجد مخرجاً يجنب فلسطين «إقامة الوطن القومي اليهودي» واقتلاع الشعب وتهجيره، ولم تفلح. ولعل الاستراتيجية الوحيدة التي لم تجرب وكان من الممكن أن «تنجح نجاحا باهراً» هو أن يحمل الشعب الفلسطيني عصاه ويرحل من وطنه عن طيب خاطر، ويتركه لإقامة الدولة العبرية لتكمل استراتيجيتها على المستوى العربي.
فبالنسبة إلى المساومين حتى من اتهموا «بالعمالة والاستسلام» كان أمامهم طريق واحد هو أن يسهلوا مهمة بريطانيا والمشروع الصهيوني إلى حين مجئ الوقت لترحيلهم.
والذين حاولوا الجمع بين الضغوط السياسية على بريطانيا ومساومتها وصولاً إلى المواجهة من خلال الثورة فالمساومة، كان نصيبهم أن يتعرج الصراع حتى لحظة الحقية موجهة جيش صهيوني (الهاغناه) بعد أن أتم استعداده للحسم العسكري.
أما الذين أرادوا الذهاب إلى النضالات الشعبية الحازمة (الانتفاضات) والمقاومة المسلحة فكان عليهم أن يواجهوا مائة ألف جندي بريطاني مع تصميم استراتيجي لتنفيذ المشروع الصهيوني دونه التصميم على التمسك بالهند. ثم عليهم أن يواجهوا ضغوط وضع عربي رسمي، «أفضل» منه ما نشهده اليوم من وضع عربي، ناهيك عن مواجهة انقسامات فلسطينية شديدة التأثر في محيطها العربي وموازين القوى السائدة.
ومن هنا طاش سهم الذين يتحدثون عن «ضياع الفرص». ولم يقرأوا التاريخ وجهلوا وقائعه. وقد أحسنوا الظن بما يمكن أن يقبل به قادة المشروع الصهيوني.
وفي المقابل لشد ما قسونا على قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية ونحن نوجه إليها النقد دون حساب لموازين القوى وظروف ذلك الزمان، أو نحن نوجه النقد «للبنية السوسيولوجية» أو للمجتمع الأبوي، من دون حساب لما واجهه الشعب الفلسطيني من «طوفان أو زلزال» أو تيار عات.
فهل كان «المجتمع المدني» الحداثي قادرا على الصمود ناهيك عما هو أكثر، أما كان سيحمل عصاه ويرحل؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق