التحليل السياسي
22/ 12/ 2005
التغير في الخارطة الحزبية الصهيونية
وانعكاسه على القضية الفلسطينية
شهدت الساحة السياسية "الإسرائيلية" هذا الشهر تحولات وتغيرات في الخارطة السياسية الحزبية بميلاد حزب "كديما" (إلى الأمام) بقيادة شارون، وانتقال شمعون بيريس من حزب العمل إلى حزب "كيدما"- بعد هزيمته أمام عمير بيرتس على رئاسة العمل ـ بالإضافة إلى انتقال عدد من نواب وشخصيات أحزاب اليمين واليسار إلى حزب شارون الجديد في صورة دراماتيكية عكست حالة من اللااستقرار الحزبي وعدم اليقين، واختلطت فيها الدوافع الشخصية بالقناعات السياسية. كما فاز نتنياهو برئاسة حزب الليكود بعد خروج شارون منه. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب شارون "كديما" على باقي الأحزاب.
· أسباب ودوافع
يبدو جلياً أنه يقف وراء هذا الحراك السياسي الحزبي الذي تبلور بعد مخاض عسير، مجموعة من الأسباب المتعلقة بشخصية وقناعات رئيس الوزراء "الإسرائيلي" شارون بالدرجة الأولى بالترافق مع توفر عوامل أخرى، على النحو التالي:
1- رغبة شارون الشخصية في التخلص من خصومه الليكوديين بزعامة نتنياهو الذي حاول المرة تلو المرة إسقاط شارون من رئاسة الحزب وبالتالي رئاسة الحكومة علاوة على معارضته الشديدة لسياسة شارون خاصة فيما يتعلق بخطة الانفصال أحادي الجانب، الأمر الذي خلق حالة من التشويش الدائم والقلق المستمر لشارون وأنصاره.
2- طبيعة شارون المعتد بنفسه وأفكاره، المعتقد أنه المخلص والقادر على تحمل المسؤوليات الوطنية. وهذا ما أكده سلوكه السياسي المتمثل في إنفاذ خطته للانفصال أحادي الجانب مع الطرف الفلسطيني بإصرار، رغم ما تعرض له من انتقادات حادة وصلت إلى حد التخوين والتحريض من بعض غلاة اليمين الصهيوني المتطرف.
3- توفر مجموعة من العوامل المساعدة التي شجعت شارون على اتخاذ خطوته تلك، كبروز غالبية شعبية تؤيده في سياسته الأمنية كرجل حرب مخضرم ضد الفلسطينيين والعرب، وكرجل سياسة قادر على اتخاذ قرارات وخطوات لحل الصراع العربي – الصهيوني، تمثلت في خطته للانفصال أحادي الجانب مع الطرف الفلسطيني، هذا علاوة على التفاهمات والتقارب الحاصل بينه وبين الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط الجديد ومحاربة "الإرهاب".
4- إصرار الشعب الفلسطيني على التحرر وإنهاء الاحتلال عبر انتفاضتين متتاليتين واستمرار المقاومة رغم كل الظروف الصعبة المحيطة بالشعب الفلسطيني، الأمر الذي أسس لقناعات لدى عدد كبير من قادة الاحتلال من اليمين واليسار لضرورة الانسحاب وإقامة الدولة الفلسطينية، ومن ثم بروز التباينات الحزبية على هذه القاعدة. فشارون مقتنع بضرورة الانسحاب أحادي الجانب وبدون أي تفاوض أو اتفاق مع الفلسطينيين لعدم وجود شريك فلسطيني – كما يدعي –، وفي المقابل خصمه اللدود نتنياهو، مقتنع بضرورة الانسحاب ولكن باتفاق ملزم مع الفلسطينيين بعد وقف المقاومة وتفكيك الفصائل الفلسطينية وسحب سلاحها، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى مع حزب العمل الذي اقترب أكثر من شارون عندما كان يرأسه شمعون بيرس. وفي مقابل هؤلاء اصطف اليمين القومي (المفدال، وكاخ، ويهودت هتوراه، وعامة المستوطنين) ضد فكرة الانسحاب من أي جزء من الضفة الغربية وغزة.
إذن يمكن القول إن ما حصل هو حراك سياسي واصطفاف حزبي داخلي طبيعي محكوم لعوامل شخصية وقناعات سياسية واكبت مجموعة من التحولات في فلسطين (استمرار المقاومة) وواكبت متغيرات دولية بقيادة واشنطن في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
· مقاربات حزبية
أصبح من المؤكد أن المشهد الحزبي "الإسرائيلي" بعد أن كان محكوما لنظام الحزبين لمدة تقارب ثلاثة عقود خلت بين يمين قومي بزعامة الليكود ويسار وطني بقيادة العمل، أصبح الآن ثلاثي بعد أن انتقل شارون من اليمين إلى اليمين الوسط على رأس حزب "كيدما" الجديد. وبالتالي فإن الاصطفاف الحزبي داخل "إسرائيل" سيكون على الشكل التالي:
- يمين قومي ( الاتحاد الوطني، يهودت هتوراه، المفدال،والمستوطنين عموما) بقيادة الليكود وبزعامة بنيامين نتنياهو الذي خلف شارون على رئاسة الحزب.
- يمين وسط بقيادة شارون بعد أن انضم إليه مجموعة من الليكود (أيهود اولمرت، شاؤول موفاز، ديختر، هنغبي، سيغمون لفنى ) ومجموعة من العمل ( شمعون بيرس، وحاييم رامون، واليااتسيك..).
- اليسار ممثلاً في (حزب العمل، شينوي، ميرتس، والأحزاب العربية..)
من ناحية ثانية، فإن تأسيس حزب بقيادة شارون وبانضمام عدد معتبر من اليمين واليسار إليه سيقارب نسبيا بين الأحزاب الثلاثة من حيث الحجم والقوة على حساب الأحزاب الصغيرة الأخرى التي لعبت دورا أساسيا في نظام الحزبين في الماضي.
الأمر الآخر، أن هذه الأحزاب الثلاثة ومن خلال متابعة سيرورة التحول الراهنة ستتأثر بشخصية وسلوك رؤسائها لأن جزء من اللعبة السياسية الأخيرة التي جرت بين الأحزاب ارتكزت على الشخصيات وقناعاتها ومدى تأثيرها والكاريزما التي تتمتع بها.
فحزب "كديما" يعد إلى هذه اللحظة هو حزب شارون. حتى أن العديد من الشخصيات التي انضمت إليه كتمت أنفاسها وتحسبت مخافة تطور الحالة الصحية لشارون اثر إصابته بجلطة دماغية.
كما أن بقايا حزب الليكود اصطبغ بقناعات نتنياهو ومعارضته لسياسة شارون، خاصة فيما يتعلق بالانفصال أحادي الجانب مع الفلسطينيين.
أما حزب العمل فهو مرهون بسلوك زعيمه الجديد بيرتس رافع شعار الفقراء والشؤون الاجتماعية والاقتصادية، الذي حل محل شمعون بيرس المتهم بالتماهي مع شارون والتبعية له للدرجة التي أصبح فيها البعض لا يرى أن هناك فروقات جوهرية بين الليكود بزعامة شارون والعمل بزعامة بيريز. أي أن مستقبل حزب العمل كمدافع عن الطبقة الوسطى والفقيرة معقودة ناصيته على عاتق عمير بيرتس القادم من نقابة العمال الإسرائيلية "الهستدروت".
المسألة الأخرى، أن الفروقات بين برامج الأحزاب الثلاثة ستكون نسبية إلى حد ما، ففيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فلن يكون هناك فروق جوهرية في البرامج الانتخابية سوى أن حزب العمل سيضع الأمر على رأس أولوياته وأجندته الحزبية كمدافع عن الفقراء بالدرجة الأولى.
أما بالنسبة إلى الجانب السياسي والأمني فالجميع سيزاود على الآخر في بازار الدعاية الانتخابية، وان كان حزب الليكود وكديما سيضعانه على سلم الأولوية لديهما، فثلاثية الأحزاب القائمة تؤمن بضرورة الانسحاب من الضفة وغزة وإقامة الدولة الفلسطينية وإن اختلفت في التفاصيل حول ماهية الدولة وحجم الانسحاب وكيفيته.
أما فيما يتعلق بفرص الفوز في الانتخابات النيابية القادمة، فمن الصعب بمكان التكهن بمن سيفوز فيها لأنه يفصل بيننا وبينها قرابة ثلاثة أشهر حتى آذار/مارس 2006، ولكن يمكن الافتراض أن حزب "كديما" ستكون فرصته أكبر من العمل والليكود لعدة أسباب منها:
- أن شارون يرأس الحزب، وهو الشخص الحائز لحد الآن على ثقة الأغلبية بصفته أحد رجالات السياسة والحرب القدماء المجربين، وهو صاحب كاريزما جاذبة للجمهور "الإسرائيلي"، ففي استطلاع للرأي نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت (16-12-2005) حول من المناسب أكثر لمنصب رئيس الوزراء، أكد 54% أن شارون هو الأنسب ثم تلاه عمير بيرتس بنسبة 21% ثم نتنياهو بنسبة 16%. ولكن إذا قدر لشارون التغيب عن الحزب لمرض أو موت أو لسبب آخر فانه يعتقد أن تتراجع شعبية حزب "كديما" بشكل كبير.
- السبب الثاني أن حزب كديما يعد حزبا في مركز الخارطة السياسية "الإسرائيلية"، فهو يجمع شخصيات من اليمين كـ "شاؤول موفاز" (وزير الدفاع) و "آفي ديختر" (رجل الاستخبارات) وايهود اولمرت (نائب رئيس الوزراء سابقاً، ووزير المالية حالياً)، بالإضافة إلى شخصيات عريقة من اليسار كـ"شمعون بيرس" و"حاييم رامون" و"ايتسيك".
وبالإشارة لاستطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة "معاريف" (20-12-2005) أثناء مكوث شارون في المستشفى اثر الجلطة الدماغية، فقد حاز حزب "كديما" برئاسة شارون على 42 مقعد، وحزب العمل بقيادة عمير بيرتس على 22 مقعد، وحزب الليكود برئاسة نتنياهو على 13 مقعدا.
·أثر وانعكاس التغير في الخارطة الحزبية على القضية الفلسطينية
لاشك أن حالة التقلب والتبدل التي ظهرت في الساحة الحزبية "الإسرائيلية" جديرة بالمراقبة والاهتمام لما قد يكون لها من أثر على مستقبل الصراع العربي – الإسرائيلي، في ظل الهيمنة الأمريكية الحالية على السياسة الدولية بشكل عام.
وفي هذا الصدد يمكن القول انه لا يوجد أي تغير جوهري في برامج الأحزاب "الإسرائيلية" بالنسبة للقضية الفلسطينية، رغم حالة الاصطفاف السياسي الحزبي وصعود أحزاب وهبوط أخرى.
فالأحزاب الرئيسية الثلاث الليكود والعمل وكديما لم تطرح شيئا جديدا جوهريا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لحد الآن.
فنتنياهو يصر على وقف المقاومة وتفكيك الفصائل الفلسطينية المقاومة وسحب السلاح الفلسطيني قبل أي تفاوض وهي سياسة قديمة جديدة أصبحت مستهلكة في عرف القضية الفلسطينية.
أما عمير بيرتس فهو أيضا لم يأت بجديد سوى اجترار ما كان من القول أنه مع التسوية السياسية الدائمة والمفاوضات السريعة! ولم يقل لنا ما موقفه من حق عودة اللاجئين، والانسحاب الكامل، وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة؟ أما بالنسبة للقدس فقد أعرب عن رأيه في مقابلة له مع صحيفة معاريف العبرية (9-12-2005) عندما قال: "من الواجب تحديد خطوط القدس، ولكن ليس التفاوض حولها"!! أي أن الأمر يخضع للرؤية الصهيونية لمدينة القدس وليس لحق الفلسطينيين فيها.
أما شارون الذي حرك المياه الحزبية الراكدة في "إسرائيل"، والذي يحظى لحد الآن بأعلى نسبة من التأييد، فانه لم يغير أي شيء في قناعاته وبرنامجه السياسي، بل إنه ترك الليكود الذي عاش فيه جل حياته السياسية من أجل تنفيذ قناعاته المرتبطة بالحل أحادي الجانب المبني على تجاهل الطرف الفلسطيني وفرض الوقائع على الأرض من خلال إكمال جدار الفصل العنصري وضم المستوطنات في الضفة الغربية، وتهويد القدس.
إذن الأحزاب الرئيسية الثلاث مازالت تجمع على تهويد القدس ورفض السيادة الفلسطينية حتى على شطرها الشرقي منها، ورفض عودة اللاجئين وإن كان ذلك إلى الضفة وغزة، ورفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967...الخ.
التغير الوحيد والجذري في السياسة الإسرائيلية هو قبول اليمين "الإسرائيلي" الانسحاب من جزء من الضفة وغزة وإقامة الدولة الفلسطينية نتيجة فعل المقاومة والصمود الفلسطيني. والاختلاف بين هذه الأحزاب واقع حول المساحة الواجب الانسحاب منها، وحول طبيعة وحجم "السيادة" المعطاة للفلسطينيين، والكيفية التي يتم فيها ذلك، فكل حزب له معياره ومقاسه الذي يريد أن يمليه على الطرف الفلسطيني، حسب منظوره للمصلحة الصهيونية البحتة وحسبما يراها كل حزب من زاويته.
وبالتالي فان مراهنة بعض الأطراف الفلسطينية أو العربية على أي من هذه الأحزاب الثلاث أو بناء تصوراتها المستقبلية حول الصراع العربي – الصهيوني على أساس فوز اليمين أو اليسار الصهيوني إنما هو رهان خاسر وبناء فاشل لأن هذه الأحزاب والخارطة السياسية في الكيان المحتل شهدت تغيرا في الشكل والهيكل الخارجي مع احتفاظها بذات البرامج والجوهر اتجاه الحقوق الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية. وفي التاريخ القريب عبرة، فمنذ خمسة عشر عاما أي منذ بدء مفاوضات مدريد عام 1991، وصل إلى سدة الحكم في "إسرائيل" معظم أقطاب السياسة "الإسرائيلية" من أحزاب يمين ويسار، إن بلون واحد أو على شكل ائتلاف جمع بين اليمين واليسار. وللمفارقة فقد وصل إلى رئاسة الوزارة ثلاثة من حزب العمل وهم: إسحاق رابين، وشمعون بيرس، وايهود باراك، وثلاثة مثلهم من حزب الليكود وهم: إسحاق شامير، وبنيامين نتنياهو، وأرييل شارون. وكانت النتيجة واحدة وان اختلفت بعض التفاصيل أثناء مسيرة التسوية السياسية العاثرة.
وبالتالي فإن المراهنة الصحيحة والرابحة تقع على المقاومة واستمرارها التي بدأت تؤتي أكلها من خلال قدرتها على تغيير القناعات الاستراتيجية المتعلقة بالمشروع الاستيطاني الصهيوني الذي بدأ بالتراجع بعد تفكيك المستوطنات من قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية وتلاه انسحاب قوات الاحتلال من القطاع. هذا فيما يتعلق بالمستقبل المنظور في ظل الانتخابات "الإسرائيلية" والتحولات في الخارطة السياسية الحزبية في "إسرائيل".
أما فيما يتعلق بالفترة المتبقية من حكم الوزارة الراهنة التي يترأسها شارون، فمن المتوقع أن يبقى الجمود السياسي سمة الأشهر الستة القادمة على أقل تقدير خاصة في ظل الاستعداد للانتخابات في "إسرائيل" (آذار/ مارس 2006)، وفي ظل الانتخابات البلدية والتشريعية الفلسطينية، هذا بالإضافة لانشغال الإدارة الأمريكية بالمسألة العراقية التي تؤرق صانعي القرار في واشنطن.
وفي مقابل هذا الجمود السياسي، قد تلجأ بعض الأحزاب "الإسرائيلية" إلى التصعيد ضد الشعب الفلسطيني في ظل الحملة الانتخابية، استجابة لمزاج الشارع الصهيوني الذي يكن العداء والكره لكل ما هو فلسطيني وعربي، مما قد يدفع حكومة الاحتلال بقيادة شارون إلى مزيد من العنف ضد شعبنا الفلسطيني في الضفة وغزة لإظهار نفسه القادر على حفظ أمن الكيان المحتل في ظل المزايدات الانتخابية، الأمر الذي يتطلب حكمة فلسطينية وتنسيقا بين مختلف الطيف السياسي الفلسطيني لمواجهة أي تطورات ميدانية بمزيد من اللحمة الوطنية واليقظة، وحسن التخطيط لمستقبل فلسطيني مؤسساتي ديمقراطي مقاوم قادر على الصمود ومواجهة الاحتمالات المستقبلية في ظل مسيرة التحرر من الاحتلال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق