الاثنين، 15 نوفمبر 2010

اليـــــــــــوم عـــــــــرفــــــــــــــة


اليـــــــــــوم عـــــــــرفــــــــــــــة

 
الشيخ حمزة الحواج
صحيفة الوطن - العدد 1801 الأثنين 15 نوفمبر 2010
اليوم‮ ‬يوم التاسع من ذي‮ ‬الحجة،‮ ‬وهو وعد الله لحجاج بيته أنه‮ ‬يوم عظيم قد استعد فيه حجاج بيت الله بعد تلك المقدمات من العمرة المفردة منذ وصولهم إلى‮ ‬يوم التروية،‮ ‬وهو اليوم الثامن من ذي‮ ‬الحجة حتى أحرموا لأداء مناسك الحج الأكبر،‮ ‬جاءوا وهم سيل بشري‮ ‬يجر بهمهمة ودمدمة وكأنه جيش مدرب بلا عتاد ولا سلاح سوى الذكر والتسبيح لله جل شأنه‮.‬

تخالك ترى جيشاً‮ ‬متحركاً‮ ‬لا‮ ‬يلوي‮ ‬خلفه،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن إيقافه،‮ ‬فقد مد بصره إلى الأمام حيث خيمت منذ الصباح الباكر تلك الحشود في‮ ‬أرض عرفة‮ ‬يدك بعضهم بعضاً‮ ‬وهو أول منسك في‮ ‬الحج الأكبر وسمي‮ ‬يوم عرفة من معرفة الله أو الاعتراف بين‮ ‬يدي‮ ‬الله بالذنب والتوبة منه وهو‮ ‬يوم تفرغ‮ ‬فيه الرحمة إفراغاً‮ ‬على العباد،‮ ‬سيما من حضر الموقف في‮ ‬هذه الأرض المباركة ويقف حجاج بيت الله الحرام‮ ‬يتوسلون لله سبحانه ويستغفرونه ويطلبون خلاصهم من النار وعذاب الآخرة،‮ ‬وهدايتهم لدينه وتثبيتهم على نهجه القويم،‮ ‬فتراهم بين راكع وساجد وقائم وقاعد ومبتهل لله،‮ ‬يبكي‮ ‬وهو بحق موقف عظيم‮ ‬يمتلك مشاعرك‮.‬

ويأخذك إلى نور‮ ‬يغمر وجودك وكيانك وتشعر بتلك الأنفاس الطاهرة من حولك باختلاف لغاتهم وصنوفهم فتستشعر عظمة الخالق في‮ ‬قلوبهم وانجذابهم إليه،‮ ‬لتتوحد حول عبادته والخضوع متذللة خاشعة إليه متعالية على لغتها،‮ ‬فدينها أكبر من لغتها وأعظم من لونها تلتف كلها حول جبل عرفة وهو مرتفع ليس كالجبال الشاهقة فيستحيل هو وسفحه بياضاً‮ ‬لتتشح تلك البقعة التي‮ ‬تسع الملايين ثوباً‮ ‬أبيض في‮ ‬ذلك اليوم‮. ‬

تستشعر بقلبك أن معك‮ ‬غيرهم‮ ‬يثقل على الأرض فتعج وتضج بهم حتى كأنها تموج بهم موجاً،‮ ‬والناس تعلوا أصواتها من حولك مناجية ربها،‮ ‬فمنهم من‮ ‬يقرأ القرآن ومنهم من‮ ‬يدعو بدعاء عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام،‮ ‬وبحق فإن بعض الأدعية والمناجات مما ورد عن أهل بيت العصمة لترسم لوناً‮ ‬خاصاً‮ ‬من العبادة في‮ ‬ذلك الموقف المهيب،‮ ‬ويأتي‮ ‬الإرشاد الإلهي‮ ‬والتوجيه الرباني‮ ‬لتتمة هذه المناسك بقوله تعالى‮ (‬ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً‮ ‬من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام‮)‬،‮ ‬وموعد تلك الحشود البشرية عندما تنسدل الشمس نحو المغيب ويقترب شبح الليل نحو تلك البقعة الطاهرة فينفض الناس عنها ويفيضون كما‮ ‬يفيض الكأس حينما‮ ‬ينهمر الماء فيه لتتجه تلك الملايين دفعة واحدة كما السيل من أعلى الوادي‮ ‬ليتحول في‮ ‬موقفه إلى وادي‮ ‬مشعر الحرام في‮ ‬مزدلفة وهي‮ ‬منطقة بالقرب من عرفة وسميت مزدلفة لأن الحجاج‮ ‬يزدلفون إليها بعد موقف عرفة ليبيتون ليلهم‮ ‬يتعبدون ويجمعون منها الحصيات لرمي‮ ‬الجمار في‮ ‬صباح اليوم القادم‮.‬

موعدهم عند الفجر بين الطلوعين ليقفوا مبتهلين لله عز وجل ليحققوا وقوفهم بمزدلفة مع رخصة من التشريع لغير القادر والضعيف،‮ ‬وعند دنو شروق شمس‮ ‬يوم العاشر من ذي‮ ‬الحجة تنهال الناس إلى منطقة‮ ''‬منى‮''‬،‮ ‬وهذه التسمية إحدى وجوهها من الأمنية وهي‮ ‬حصول العبد ما‮ ‬يتمناه في‮ ‬هذا المنسك العظيم،‮ ‬وحيث إن الحاج ضيف لله الواسع العطاء فهذه أرض ما تمنى العبد فيها على الله شيئاً‮ ‬إلا أعطاه أو أفضل منه،‮ ‬فإن كان في‮ ‬مصلحة البعد عجل له عطاءه وإن كان في‮ ‬غير مصلحته أعطاه ما‮ ‬ينفعه ولو مؤجلاً‮. ‬

ويستعد الناس إذ هو اليوم العاشر،‮ ‬وهو‮ ‬يوم عيد المسلمين حتى‮ ‬يستشعر المسلمون عظمة ذلك اليوم مع حجاج بيته فيستعدوا لرمي‮ ‬الحصيات التي‮ ‬جمعوها من مزدلفة،‮ ‬وفي‮ ‬هذا اليوم‮ ‬يرمي‮ ‬الحاج سبع حصيات على الجمرة الكبرى؛ وهي‮ ‬جمرة العقبة وما أشده من منسك وأوقعها في‮ ‬النفس من ثمرة،‮ ‬ثم‮ ‬يذبحون هديهم أو‮ ‬يذبح عنهم من أوكلوه أو‮ ‬ينحروه كل‮ ‬يفدي‮ ‬لله بما اختار ليطعم تقرباً‮ ‬إليه تبارك وتعالى،‮ ‬ثم‮ ‬يحلقون رؤوسهم تأدباً‮ ‬بين‮ ‬يدي‮ ‬الله ويبدؤون مشواراً‮ ‬مع مكة لتتمة المناسك ثم‮ ‬يعودون للمبيت بمنى ليلة الحادي‮ ‬عشر من ذي‮ ‬الحجة لتجد لوناً‮ ‬خاصاً‮ ‬من الهدوء بعد تلك الصخبة،‮ ‬وترى الفرح باد على وجوهم لتتمة أعظم ما في‮ ‬تلك المناسك‮.‬

في‮ ‬الصباح‮ ‬يذهبون لرمي‮ ‬الجمرات الثلاث لكل واحدة سبع حصيات وهو‮ ‬يوم أقل شدة من سابقه ليبيتون ليلة الثاني‮ ‬عشر من ذي‮ ‬الحجة بمنى أيضاً‮ ‬ثم‮ ‬يزحفون أخرى ذلك اليوم ليرموا الجمرات الثلاث سبعاً‮ ‬لكل منها أيضاً،‮ ‬وبعد الزوال‮ (‬فمن تعجل في‮ ‬يومين فلا إثم عليه‮) ‬يغادر الحجاج أرض منى بعد الزوال في‮ ‬اليوم الثاني‮ ‬عشر ويبقى البعض مجدداً‮ ‬يوم الثالث عشر بعد مبيته ثم رميه في‮ ‬نهار ذلك اليوم كما سابقيه،‮ ‬ليعودوا بلادهم بعد منسك ترتج له الأرض وتقوم له السماء‮.‬

فيا عظم تلك المناسك ويا هيبتها ووقعها على النفس لتلهم منها درساً‮ ‬حقيقياً‮ ‬بين‮ ‬يدي‮ ‬الله فتعيش العبودية والطاعة وتستشعر وقوفك بين‮ ‬يدي‮ ‬الله في‮ ‬آخرتك بوقوفك في‮ ‬هذه المناسك واليوم عمل بلا حساب وغداً‮ ‬حساب بلا عمل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق